مُقدِّمة:
في أعقاب حرب الإبادة الجماعيَّة على قطاع غزَّة دخل المشهد الفلسطيني مرحلة شديدة التَّعقيد تتقاطع فيها الأبعاد الإنسانيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والإقليميَّة والدوليَّة، فقد خلّفت الحرب دمارًا واسعًا في البنية التحتيَّة ومقوِّمات الحياة، وعمَّقت الأزمات البنيويَّة الَّتِي يعاني منها القطاع منذ سنوات الحصار، لتفتح الباب أمام موجة من المبادرات الدوليَّة والإقليميَّة الرامية إلى المشاركة في إعادة الإعمار، غير أن هذا التَّزاحم في الطُّروحات والمقاربات أعاد إنتاج مظاهر التَّنافس السِّياسي والجيوسياسي على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وجعل من ملف الإعمار ساحة جديدة للصِّراع على النُّفوذ والمصالح، أكثر منه عمليَّة إنسانيَّة وتنموية خالصة.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل مسارات التَّنافس الدَّولي والتَّجاذب الإقليمي حول ملف إعادة إعمار غزة، من خلال تفكيك الأدوار والمصالح المتباينة للأطراف الفاعِلَة – سواء كانت دوليَّة، عربيَّة، أو إقليميَّة – وتأثير ذلك على وحدة القرار الفلسطيني وسيادته على عمليَّة الإعمار، كما تهدف هذه الورقة أيضًا إلى استشراف آفاق بناء رؤية فلسطينيَّة موحَّدة تُعيد توجيه عمليَّة الإعمار ضمن إطار وطني جامع، يضمَن التَّكامل بين الجهود الإنسانيَّة والتنمويَّة، ويرسِّخ مبدأ القيادة الفلسطينيَّة للمسار برمَّته.
وانطلاقًا من ذلك تتناول هذه الورقة السِّياق العام لمرحلة ما بعد الحرب، وتستعرض طبيعة المبادرات والبرامج المطروحة لإعادة الإعمار، ومواطن التَّباين بين المرجعيَّات المختلفة الَّتِي تستند إليها، قبل أن تقدم تصوُّرًا إستراتيجيًّا لرؤية فلسطينيَّة قادرة على توحيد الجُهُود، وتحقيق العدالة في التَّوزيع، وضمان استدامة التَّنمية في قطاع غزَّة، بما ينسجم مع الأولويَّات الوطنيَّة، ومتطلَّبات التَّعافي الشَّامل.
اعداد: د. رائد محمد حلس