ورقة تقدير موقف: الخلافات الأمريكيَّة الإسرائيليَّة حول إدارة المرحلة الثَّانية في غزَّة: "صراع الرُّؤى أم توزيع أدوار"

مقدِّمة:

في أعقاب الحرب الأخيرة على قطاع غزَّة برزت ملامح مرحلة انتقاليَّة جديدة تتجاوز حدود وقف العمليَّات العسكريَّة إلى إعادة ترتيب منظُومة الحكم والإدارة والسَّيطرة داخل القطاع سياسيّا وأمنيًّا واقتصاديًّا، فالمسألة لم تعد مقتصرة على ترتيبات التَّهدئة أو إدخال المساعدات وإعادة الإعمار؛ بل أصبحت مرتبطة بإعادة تعريف مَنْ يملك القرار السِّيادي ومن يتحكَّم بمفاصل الحياة اليومية للسُّكان، ومن يرسم شكل النِّظام السياسي والأمني الذي سيحكم غزَّة في مرحلة ما بعد الحرب، وفي هذا السِّياق تحوَّل القطاع إلى ساحة تنافس إستراتيجي بين الفاعلين الدَّوليين والإقليميِّين، ومختبر لتصوُّرات متباينة حول إدارة الصِّراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

وبرغم الخطاب العلني الَّذِي يوحي بوجود تنسيق كامل بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة دونالد ترامب، فإنَّ المؤشرات السياسيَّة والميدانيَّة تكشف عن خلافات عميقة وغير معلنة بشأن  طبيعة «المرحلة الثَّانية» وأهدافها النهائية، فالتَّباين لا يقتصر على الآليَّات التنفيذيَّة أو توقيت الانسحاب وإعادة الانتشار؛ بل يمتد إلى جوهر الرؤية الإستراتيجيَّة لمستقبل غزَّة وموقعها في معادلة الصِّراع: هل ستبقى مساحة خاضعة للهيمنة الأمنيَّة الإسرائيليَّة المباشرة، أم ستُعاد هندستها اقتصاديًّا ضمن مشاريع إقليميَّة واستثماريَّة تقودها الولايات المتَّحدة، بما يجرِّدها من بُعْدها السِّياسي ويحوِّلها إلى قضيَّة تنمويَّة/إنسانيَّة قابلة للإدارة؟

وتنطلق هذه الورقة من فرضيَّة مفادها أنَّ ما يبدو تنسيقًا سياسيًّا يُخْفِي في جوهره صراعًا على التحكُّم بمسار ما بعد الحرب، وتحديد الجهة التي تمتلك زمام القرار في القِطَاع، بين مقاربة إسرائيليَّة تَسْعى إلى تكريس السَّيطرة الأمنيَّة المستدامة وإعادة إنتاج الاحتلال بأدوات إداريَّة أقل كلفة، ومقاربة أمريكيَّة تميل إلى “تسييل” الأزمة عبر الاقتصاد وإعادة الإعمار والاستثمار، بما يدمج غزَّة في ترتيبات إقليميَّة أوسع دون تمكين الفلسطينيِّين من سيادة فعليَّة، وفي الحالتين يجري التَّعامل مع القطاع بوصفه ملفًا إداريًّا أو أمنيًّا، لا باعتباره جزءًا من قضيَّة تحرُّر وطني وحق تقرير المَصِير.

تنبع إشكاليَّة هذه الورقة من محاولة تفكيك طبيعة الخِلَافات القائمة بين حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة دونالد ترامب بشأن ترتيبات المرحلة الثَّانية في قطاع غزَّة، وما إذا كانت هذه الخلافات تعبِّر عن تناقض إستراتيجي حقيقي حول شكل ومستقبل القِطَاع، أم أنَّها مجرَّد اختلاف تكتيكي في الأدوات وتوزيع للأدوار ضمن هدف مشترك يتمثَّل في إدارة غزَّة والتحكُّم بها دون تمكين الفلسطينيِّين من سيادة سياسيَّة فعليَّة، وفي هذا السِّياق تطرح هذه الورقة تساؤُلات جوهريَّة حول الجِهَة التي تمتلك القرار الفعلي في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب وطبيعة مشاريع الإعمار؟ وما إذا كانت مدخلًا للاستقرار والتَّنمية أم آلية لإعادة إنتاج السَّيطرة والارتهان الاقتصادي؟